الكوليزيوم القصصي

Site Web du Colisium de la Nouvelle

حركة التجريب القصصي في المغرب

حوارات

 كتابات ما بعد الحب

علي الوكيلي

القصة القصيرة كتابة ضد الموت

محمد أمنصور

عقدة إسماعيل

محمد عزيز المصباحي

 مفاتن القصة القصيرة محمد اشويكة
   كتابات ما بعد الحب

علي الوكيلي

                            أجرى الحوار: عبد العالي توجد

    الصباح: كيف جئت إلى الكتابة؟

    ع.الوكيلي: كان ذلك عبثا في البداية، مع اشتعال حب عذري عنيف في السادسة عشرة، وبعد أن اتضح لي أن المحبوبة لا تعلم بوجودي، قررت أن أسجل تلك الخيبة المريرة من خلال كتابة لذيذة، ثم وجدت نفسي أكتب عن أشياء أخرى غير هذا الحب المحصور الضيق، لكن مرت فترة لا بأس بها قبل أن أعي أن الكتابة لا تغير الواقع ولا تدعو إلى القيم والأخلاق، وإنما هي متاهات جميلة، ينزلق بعض فتاتها إلى القلم.

    الصباح: لكن بعد هذه الفترة الرومانسية قيدت نفسك بنوع من الالتزام لم تتحرر منه بعد، رغم انهيار الأيديولوجيات والقيم وأنماط الكتابة الكلاسيكية، كيف تفسر ذلك؟

    ع.و: أعترف أن مغرب الستينيات والتسعينيات وحتى الثمانينيات، لم يترك لي مجالا لأنمي ذاتي وأنضجها لأبعدها عن اللامعقول السياسي الذي كنا نحياه مثل كابوس مباشر،لهذا كانت الكتابة المطلقة نوعا من الترف غير الملائم، مثل طلب يد حسناء يوم جنازة أمها. ثم إنني كنت يساريا ملحاحا في الجامعة دون ارتباط محدد، واليوم لا أستطيع أن أتحرر دفعة واحدة من رواسب الماضي الذي لا أزال أتلذذ ببعض بقاياه، حتى ولو أنه أصبح متجاوزا، غير أن الكتابة بعد 1999 ستكون مغايرة تماما.

    الصباح: هل يمكن أن نقول إن الفعل الثقافي في هذه الفترة كان بريئا من الفساد السياسي الاجتماعي والاقتصادي؟

    ع.و: أجل، لقد كان المثقفون المغاربة آخر حصن منيع ضد سوريالية واقع سياسي، أبسط تجلياته، عقاب مجتمع بأكمله بسبب خلافات وصراعات شخصية ضيقة كانت تمزق الطبقة السياسية. لقد أفلت المثقفون من فخ المديح والتزلف والانبطاح، وحتى الأسماء التي حاولت الجهات الرسمية فرضها وترسيخها لم تحفل بمن يتذكرها رغم الهرج الإعلامي المسخر من أجلها.

    الصباح: واليوم؟

    ع.و: أظن أنه منذ بداية التسعينيات، بدأ الواقع السياسي يبتعد عن الطهر، وانتقل الفعل الثقافي من الإبداع الأصيل إلى إبداع المواقع والتحصينات لحماية المصالح الشخصية أو الحزبية، ونحن الآن نعرف أسماء ثقيلة، لكن لا علاقة لها بالثقافة إلا من حيث شهوة الأسفار ولعاب الدعوات السمينة المعوض عنها من أجل لاشيء ومن أجل زيادة تضخيم الأنوات، حتى أضحت الثقافة مجالا للبيع والشراء والمحسوبية وإنشاء العشائر والقبائل، وإذا استمرت بعض سلطنا في "التفرعن" فليس من المستبعد أن تطلع علينا مسوخ إغريقية يدعي بعضها الشعر والآخر الرواية والآخر...في انتظار قيام سلطة نقدية موضوعية، تحلف بطلاق زوجاتها من أجل هذه الموضوعية المفتقدة. فمن يستطيع أن يقول لعبد الله العروي إن رواياته لا تصلح للمقررات المدرسية، أو لمحمد برادة أن روايته "امرأة النسيان" رديئة بكل المقاييس أو لمحمد شكري أن الناس ضخموه أكثر مما يلزم؟ لا أحد قادر، كل حي خائف على نفسه من مصير بئيس، كأن يتهم بالأمية والضلال والجاسوسية والخيانة الزوجية وربما العجز الجنسي، وهناك من يحسب حسابه ليوم معلوم، قد يحتاج فيه لشفاعة سلطة ثقافية ما.

    الصباح: ألا ترى أن أزمة القراءة هي التي حالت دون بروز رأي عم نقدي يمنع هذه الميوعة؟

    ع.و: هذه آفة أخرى ومصيبة المصائب، خاصة حين يتعدى العجز عن القراءة من هم معذورون بحكم أميتهم أو طبيعة تكوينهم، إلى المثقفين أنفسهم، الذين لا يقرؤون إلا بتوصيات خاصة او لأسباب شخصية، كما أن نظامنا التربوي لا يرسخ مبدأ القراءة.

    الصباح: بالمناسبة، كيف يمكن للمدرسة أن تشيع القصة؟

    ع.و: أرى أن المشكل غير قائم في المقرر، فقد بذل المبرمجون مجهودات محمودة في إقرار نصوص جميلة في مجمل مراحل نظامنا التربوي، ولم  لا تكون مؤلفات الأستاذ أحمد بوكماخ ساهمت في توجيه الكثير من المبدعين بنسبة ما؟ إن المشكل قائم في المكانة المبالغ فيها التي يحتلها التقويم في ذهن التلميذ المغربي، وفي عقيدة المقررين. لقد أصبح هذا التلميذ براغماتيا متطرفا، لا يتشرب القصص إلا بمقدار ارتباطها بالنقطة  الموجبة للنجاح، ولو استطعنا أن نبعد غول التقويم عن قلوب تلامذتنا لاستطعنا أن نحقق هدف التذوق الخالص، ومن ثم  تنمية المواهب القرائية والكتابية معا. لكن التقويم سيظل في عرف التربويين، بل في عرف السياسيين والاقتصاديين، رابع المقدسات الوطنية.

    الصباح: ألا يمكن إيجاد وسائط أخرى لإشاعة القصة مثل السينما أو التلفزيون؟

    ع.و: إذا كان المغرب يعاني بيروقراطية "رفيعة المستوى" جعلت الواقع المغربي معاقا إلى مستوى الجمع بين أكثر من عاهة، فكيف ستفلت السينما أو التلفزيون من هذا المصير؟ من يقرر أن هذه القصة أو السيناريو صالح لترجمته إلى صورة؟ هل يقرأ مبدعو السينما والتلفزيون أم أنهم يسترشدون بآراء الأحباب والأصحاب؟ في أغلب الظن، ستجد بعض الضباع قوية الفكين تدور في دهاليز وكواليس السينما والتلفزيون، لا تقل شراسة ومكرا وخبثا عن السماسرة و"المخلوضين"، هذا دون أن نثير المشاكل الخاصة بالسينما والتلفزيون كالاستلاب الفرانكفوني.

    الصباح: وكيف حال الثقافة في مدينة مكناس؟

    ع.و: مكناس صورة مصغرة لما يجري في المغرب، تحالفات وخصومات هنا وإقصاء وقتل هناك، ليس هناك تقدير للفعل الثقافي الخالص، كثير من الأشياء يوجهها مركز ثقافي أو حزبي وأحيانا توجهها سلطة الجاه. لكن من المؤكد أنك إذا ابتعدت عن الدار البيضاء والرباط وسلا وما جاورها، ستعاني  عقدة ما يسميه المصريون "أدب الأقاليم"، وأنا أرى أن قيمة الإبداع غير مشروطة بمكان أو زمان، اللهم إذا كان الأمر يتعلق بتحول الإبداع إلى شأن إداري يفيد فيه أن تكون قريبا من المركز.

    الصباح: والمستقبل؟

    ع.و: أتمنى أن تنضج الطبقة السياسية بما فيه الكفاية، وأن تتخلص من الأنانية المفرطة، وتعمل على تثقيف وتربية الشعب المغربي الذي أهمل طويلا، حتى أصبح يجهل حتى الطريقة الصحيحة للسير في الطريق. أما الفجوة بين النخبة وباقي الشعب فقد أصبحت لا تصدق، وحين يربط الاتصال بين هؤلاء وأولئك، سنتكلم بلغة أخرى عن القراءة والرأي العام الثقافي والموضوعية والوضع الاعتباري وغير ذلك من الأحلام الجميلة.                                                                            

                                                                                         جريدة الصباح

                 يوم الثلاثاء 10 شتنبر 2002

 

     القصة القصيرة كتابة ضد الموت   

محمد أمنصور

       إعداد: الدكتور عبد الرحمن بن زيدان.

       سؤال: لماذا اخترت القصة القصيرة؟

       محمد أمنصور: الكتابة القصصية بالنسبة إلي مدخل أساسي لمساءلة الوجود والكينونة، فكل ما كتبته حتى الآن، كان شكلا من أشكال الغضب والاحتجاج على الحالة اللاإبداعية لحياتنا اليومية. ففي مدينة بلا ملامح، ومع بشر يلهثون وراء سرابات دنياهم، وفي جحيم النمط الوجودي الرديء لمجتمع تقليدي مثل مجتمعنا، تبقى الكتابة، والقصة القصيرة تحديدا، صيغة من صيغ الخروج من الصف، حيث فسحة التقاط التناقضات والفظاعات من شرفة القص. والقص أو القصة عندي هي فن التقاط المفارقة في حالة ما... في شخصية ما... في زمن أو مكان ما.. هي الإمساك بالمتحول ، بالمنفلت وتكثيفه بما يمكن أن نصطلح على تسميته تجاوزا بشعر النثر.. ولا أقصد تداخل الشعر مع النثر.. وإنما أقصد أن القاص هو من يملك أداة رؤيوية تمكنه من التقاط المعجم الشعري لنثرية الحياة...، فحياة الفرد منا  مليئة بالانزياحات .. والمجتمع يضعنا باستمرار في مآزق ومغالطات هي أدخل في باب الانزياح الشعري منها في أي باب آخر : مفارقات .. ومطبات . إن الحياة فخ كبير وعلى المبدع أن يكتشفه .. والقصة هنا ليست سوى ورشة صغيرة ضمن أوراشي المتعددة ..لأنني أكتب الرواية أيضا ، وفي كل الأحوال ، فإن الاختلاف بين القصة القصيرة والرواية لا يمنع أن الذي يكتب فيهما معا ، يدرك أن المشترك يكمن في جمرة الوجود كما تلمسها الكلمات . إننا ملعونون نحن كتاب هذا العالم المسمى ثالثا .. وبصفة خاصة كتاب المغرب .. واللعنة تأتينا من بحر الأمية الأدبية المحيطة بحقلنا الثقافي .. وسوء أحوال أوضاعنا الاجتماعية ، ورداءة حسنا الفني بالوجود . لذلك ، فإن الخصوصية التي حققتها القصة القصيرة في المغرب طوال الفترة السابقة .. الخصوصية الأساسية ، تتمثل في جعل قراء الأدب على قلتهم يأخذون ما أنجز خلال السبعينيات و الثمانينيات و التسعينيات مأخذ الجد .. فالقصة القصيرة مغربت المتخيل السردي أكثر من الرواية و الشعر .. وهذا كاف للشهادة لها بالفعالية و الحيوية.

    س: كيف ترى إلى بصمة المرجع الاجتماعي على القصة القصيرة في المغرب؟

    محمد أمنصور: القصاصون المغاربة الذين بصموا النتاج القصصي المغربي بكتاباتهم ليسوا قلة .. يتصدرهم إدريس الخوري و محمد زفزاف .. دون أن ننسى مصطفى المسناوي وأمين الخمليشي وأحمد بوزفور وآخرين . إن ذكر الأسماء هنا يبدو انتحارا نقديا لأن جنس القصة القصيرة مشروع مفتوح ، وقد تعاقب على إرساء دعائمه أكثر من جيل .. وإن كان لا بد من التأكيد على أن ما اتفق على تسميته ب " عقد السبعينيات " ، قد شكل بالنسبة لهذا الفن الأدبي عنق الزجاجة ، حيث شرع في الحديث عن شهادة ميلاد من نوع خاص .. فبصمة المرجع الاجتماعي لهذه الفترة وجدت في القصة القصيرة مرآة جيدة لتحويل الحساسية الجمالية من الذائقة السلفية ، الذهنوية المجردة ، إلى أفق الحسي ، المشخص، و الذي شكل الواقع الاجتماعي بفورته ونيران صراعاته المجتمعية رافدا أساسا له ..

 لقد بصم " السبعينيون " هذا الفن الأدبي برؤيتهم الناتجة عن تفاعل ساخن مع الأوضاع .. فكان ما كتبوه إضافة للتراكم القصصي السابق ، وتمهيدا جيدا لتجريبية بوزفور وغير بوزفور فيما بعد..

     س: ما علاقة الاعتبارات الذاتية بكتابة القصة القصيرة لديك؟

     محمد أمنصور: للإجابة على هذا السؤال، أجد نفسي مجبرا على إعادة رسم البورتريه الخاص بي، والذي لا أشك في التباس معالمه وملامحه، بالنظر إلى الشروط الصعبة التي ميزت بدايات انخراطي في هذه الممارسة. فمع مطلع الثمانينيات، كنت أكتب قصصا قصيرة تتطلع إلى تمثل قواعد اللعبة الأجناسية لهذا الفن.. الكثافة.. المفارقة.. اقتناص اللحظة المتحولة، الهاربة. تطويع اللغة لجعلها تختزل أزمانا وأمكنة في بوتقة حكي مركز.. الترميز.. الأسطرة.. لكن، ودائما، بهاجس امتلاك قواعد اللعبة و ليس شيئا آخر.. هذا ما تعكسه تجربتي التي تحمل عنوان " النسر والألواح ". ويلاحظ المتتبع أن المسافة بين  تاريخ النشر الأول في بعض الجرائد الوطنية أوالمجلات العربية و تاريخ النشر الثاني ، والنهائي بين دفتي كتاب .. تمتد إلى أكثر من 15 سنة .. والتأخر في جمع تلك القصص إلى ما بعد صدور كتابات نقدية ، هوما خلق ويخلق التباسا في الصورة كما أشرت سابقا ، في حين أن الأصل و البداية كانت ممركزة في كتابة القصة القصيرة .. على أن بداية التسعينيات ستشهد تحولا مزدوجا في تجربتي السردية ..أو لنقل ، تحولا ثلاثيا .. فمن جهة ، انقلبت على نمط الكتابة الذي مارسته في القصة القصيرة إلى 88 ، حيث صرت مهووسا بالتجريب .. وقد بلغت حدة تمردي على نفسي و المحيط الذي يحيط بي أن أصدرت بيانا نشرته الصحف الأساسية في ذلك العهد ، كان يحمل عنوانا فرعيا ، هو " بيان القصة التجريبية : أو شهادة من لا شهود له " . وهذه التجربة التي اقترنت بهاجس التجديد و التجريب و الغضب على كل شيء ، جمعت بعض نصوصها وصدرت بعنوان " القيامة الآن " ، وفيها تظهر بوضوح  قطيعة شاملة مع السابق .. لقد اقترنت بالبطالة .. والتهميش الاجتماعي المطلق .. ومسلسل من الانهيارات العائلية .. ولعل هذه الاعتبارات الذاتية ، وغيرها من الشروط الموضوعية ، هي ما تحكم في إعطاء الدفعة الأخرى أو التحول الموازي ، والذي تمثل في كتابة رواية " المؤتفكة " عام 91 . وفي كل الأحوال ، انخرطت بموازاة كل هذا في الكتابة النقدية ، وبصفة خاصة ، النقد الروائي ، بحيث توجت هذه التجربة / التحول الثالث في إصدار يحمل عنوان " خرائط التجريب الروائي " . لكن ، يبقى الأساس في كل هذا هو أن إعادة ترتيب ملامح الصورة ، تجعلني أعود إلى ما أحس به دون تكلف أو صعوبة تذكر .. ألا وهو أنني في البدء و الختام مبدع تخومي .. لاأحب الاستقرار في جنس أدبي واحد .. وحتى النقد بالنسبة لي ليس سوى إبداع من طراز آخر .. إنها مشاركة إيجابية للآخرين في أوراشهم الخاصة .. وإذا كنت قد توقفت عن النشر في الكتابة الإبداعية منذ مدة ، فلأنني أبذل مجهودا جبارا لهدم كل تكويني السابق .. وكنس كل الرواسب غير المرغوب فيها .. فأنا ضد تقديس الكاتب لما يكتبه .. أترك الوقت يمر دائما للتأكد مما يطابق موهبتي .. وبالمناسبة .. لا أومن بكاتب بدون موهبة .. والموهبة عندي ليست شيطان شعر .. بل ، هي تلك اللعنة التي تلازمني كفرد في التاريخ وأنا طفل إلى أن أموت دون أن أعرف مصدرها ؛ أهو أنا أو التاريخ ؟ هل هي الصدفة ؟ هل هي العادة ؟ هل هي لوثة وراثية من الجنون ؟ هل هو العناد لمجرد العناد ؟ هل هو التاريخ أم الوهم ؟ ..لا يهم، فالأساسي هو أن هوسا ما يلازمك من دون الناس ، سمه ما شئت ، إلا أن الثابت هو أن ملازمته لك ينتج عنها هذا الذي نسميه ..لعنة الكتابة ، ولو بدون هدف . لقد كتبت قصصا قصيرة كثيرة ليس بهدف الشهرة أو الموضة كما يفعل الكثيرون الآن مع الرواية .. وإنما لأن لوثة ما تدفعني إلى ذلك .. تحول بيني وبين النوم ..بيني وبين الوئام مع الناس و المحيط الذي أعيش فيه ..فلا تخف حدة التوتر مع العالم إلا بعد أن أكتب.. وأظن أنني الآن  بدأت أهدأ قليلا.. وأبحث عن تكوين آخر من أجل كتابة أخرى، ومفهوم آخر للقصة القصيرة .. وإن كنت لا أزال ألتذ بالكثير مما كتبت في هذا الفن الرائع والصعب.. والالتذاذ هنا ، يعني أنني لا أزال أجد في تلك النصوص الحرارة التي دفعتني إلى كتابتها حتى ولو كان الموت هو هاجسي الأول والأخير الذي دفعني إلى كتابة أهم ما كتبت حتى الآن .. ليس الخوف من الموت .. ولكن مشاهدة الموت يوميا يأخذ بأيادينا في كل المسالك : الموت الجسدي .. موت الأحلام.. موت الأمل في حياة أرقى . الموت نفسه كحقيقة قائمة ومستمرة تنهش كل شيء ، ولم لا؟ .. الموت فكرة جميلة ورهيبة ومدهشة وفظيعة.. حتى ليمكنني القول إن مساهمتي الأساسية في فن القصة القصيرة، كانت في مقاومتي عبر القصة القصيرة كل أشكال الانهيار.. والتلاشي.. اسألوا خريجي الجامعات بعد 1987 وستعرفون أية هوة وجدنا أنفسنا فيها بعد التخرج.. وقبل ذلك.. أي نمط وجودي كان لنا قبل الجامعة وبعدها.. وحتى اليوم، لم تغير الوظيفة العمومية واقع الانهيارات الشاملة الملموس في حياتنا الجماعية المشروخة، لذلك، يمكن القول في كلمة واحدة، إن القصة القصيرة عندي، كانت وستبقى، كتابة ضد الموت.

ـــــــــــــ

الحوار مأخوذ من كتاب: "الثقافة المغربية علامات بعد علامات" للدكتور عبد الرحمن بن زيدان، الصادر عام 2004.

     عقدة إسماعيل   

محمد عزيز المصباحي

حاوره: محمد تنفو.

إن الأستاذ محمد عزيز المصباحي قاص من العيار الثقيل، حيث لا يكتب بدون معاناة ولا خوف ولا إحساس، ولا بكاء ولا صخب ولا ألم...

إنه تنين مراكشي متمرد، يضرم النار حول نفسه وحول الآخرين، ويرفض الانتماء إلى القطيع.. السرب.. القبيلة.. الحزب.. المدينة.. الحي.. العصابة...

لا يحتاج إلى بوق لإخراج صوته.

برباطة جأش، يقول عن نفسه : إنه" معقد ومتناقض".

وبجرأة غير عادية، يصرح بأن " طه حسين أكبر الكذابين في تاريخ الأدب العربي".

القصة القصيرة الحقيقية، عنده، "أجرب يلحس واقعا ثقافيا وسياسيا من ملح بنكهة أجاجة وبدون فائدة".

واللغة العربية، في رأيه، هي " لغة الرجل "، أما الدارجة العربية فهي " لغة الأم ".

باختصار شديد، إن العالم ضد المصباحي والمصباحي ضد العالم المتسخ.. المريض .. المسحوق..            المتخلف.. المتطرف.. الحقير.

ولأنه ضد العالم والعالم ضده، كان هذا الحوار:

1ـ لماذا تكتب القصة القصيرة؟ وقبل أن ترد، أرجو ألا تجيبني – كعادتك- بصيغة استفهامية مختصرة، كتلك التي ذيلت بها شهادتك "شذرات من أيامي المدرسية الأولى"، حيث قلت: "هل أكتب لأخفي شيئا. لأمحو شيئا ما كألم العصا أو آثار الخوف؟".

حواب: لا أكتبها لأنني لم أجد شيئا أفعله ، ولا أكتبها لأتنفس بحاسة أخرى، ولا أكتبها لأنها الوحيدة - من بين الأجناس الأدبية الحديثة –التي تنسجم مع مزاجي المضطرب على الدوام... أو... انتقاما من اللغة العربية الكلاسيكية، أو... حبا في الوطن، أو... لأن الرواية تستفزني  بركاكتها السردية، أو... لأن لي علاقة سرية خاصة بها، لا أريد أن يعرفها القارئ.

لماذا تعتبر جنس القصة القصيرة الأداة الأنسب للتعبير عن رؤية فئة اجتماعية وعن الغامض والملتبس والمتناقض والكامن داخل حركة المجتمع؟.

جواب: تعتبر رؤية الفئة الاجتماعية التي أنتمي إليها، داخل خضم رؤى الفئات الاجتماعية المعاصرة، رؤية حادة، صدامية، متطرفة، طائشة، حالمة، مستفزة، مخربة، متناقضة، ناقصة،،،الخ. ولا أظن أن هناك جنسا أدبيا ، حديثا أو قديما، يمكن أن يعانق هذه الرؤية سوى "القصة القصيرة".

صرحت، في كثير من المناسبات ، بأن القصة القصيرة أكثر عرضة وإحساسا ووعيا ب "عقدة إسماعيل".

أولا: كيف نبتت في ذهنك هذه العقدة؟.

وثانيا: ما هي تلك الخصوصيات التي جعلت جنس القصة القصيرة يحظى بهذه الريادة؟.

جواب: المتأمل لعقدة "أوديب" في علم النفس وتوظيفها في مجال التفسير النفساني للأدب وكذلك الحياة، سيجد أن هذه "العقدة" وبالتالي، أسطورة أوديب نفسها، لا ينتميان إلى التراث الثقافي العربي والإسلامي، إن أوديب، الأسطورة والعقدة والرؤية النقدية هو من صميم التراث اليوناني الغربي، وليس بيننا وبين أوديب سوى الخير والإحسان، ولذلك أتساءل عن جدوى ما يفعله الناقد عندما يبحث عن عقدة أوديب وتداعياتها وصورها  وتجلياتها داخل رواية أو روايات عربية. إنها عقدة غربية خالصة، استوعبها الغرب، وفهمها بشكل جيد ووظفها  بشكل أفضل، في المجالات والعلوم والقوانين والآداب. الغرب يقتل أباه كل يوم، وكلما  قتله زاد خطوة إلى الأمام،  التاريخ  أو الماضي، أو التراث هو مجرد أب قتله ابنه... ليس البكاء عليه سوى خسارة ومضيعة للوقت، للمستقبل.

نحن أيضا نملك عقدة (نفسية، اجتماعية، تاريخية،  فكرية، اقتصادية، أدبية وفنية) شبيهة بعقدة أوديب، لكنها مقلوبة، الأب هو الذي يضحي بابنه، المعروف في تراثنا "بإسماعيل"، عقدة إسماعيل هي عقدة قتل الابن، وكلما قتلناه زدنا خطوة إلى الوراء، إلى الماضي، إلى التاريخ إلى الأب إلى السلف إلى الصالحين والأولياء إلى الفلاسفة الأولين والزعماء السابقين والكتب والعصور الصفراء ....

المستقبل قتلناه مسبقا، لا يهمنا  في شيء مادام أن مصداقية وجودنا توجد  في الماضي لا في المستقبل، إذن ليمت الابن  في سبيل أن يعيش الأب. أكبر الأعياد عندنا  بأضحيته وطقوسه هو الدلالة الرمزية المباشرة لعقدة إسماعيل أو عيد إسماعيل،  تصور أمة بكامله بين ليلة وضحاها بمجزرة حقيقية في حق ملايين الأغنام، لامبرر لفعلها سوى تقديم الأضحية، وعيد مبارك.

كان من المفروض أن تكون هذه "العقدة" هي محور الكتابات الأدبية (الروائية والشعرية والقصصية  في العالم العربي (أنظر رأي عبد الله العروي في الحوار الذي أجري معه، في كتاب "من التاريخ إلى الحب ومن الحب إلى التاريخ").

أما القصة القصيرة، فهي بحكم بنياتها وخصوصياتها الفنية والفلسفية، قد وجدت نفسها في بعض النماذج الدالة، وجها لوجه أمام عقدة إسماعيل العقدة الأصلية، العربية لشعوب العالم العربي، فتعاملت معها بمستويات مختلفة (أنظر الغراب، المؤامرة، حمداش... لأحمد بوزفور).

قلت، سابقا، بأن:" اللغة العربية هي لغة الرجل، والدارجة العربية هي لغة الأم".

هذا الكلام يحتاج لبعض التوضيح.

جواب: لكل إنسان لغة/أم، وهي أول لغة تعلمها، هي لغة أمه أو حاضنته هي لغة الوجدان والأحاسيس الدفينة هي لغة العواطف الأولى، هي "الدارجة" أو "العربية المغربية"  التي لا نبكي ولا نضحك ولا نفرح ولا نتألم إلا بها. لا نضحك ولا نبكي لا بالعربية الفصحى ولا بالفرنسية أو الإنجليزية، التي نتلقاها داخل فصول ومدارس ومدرجات... ونحصل من أجلها على شهادات وتقديرات معينة. العربية المغربية هي لغة "الهو" ولغة المرأة ولغة الطفل ولغة المواقف الحميمة.

أما لغة الأب ؛ العربية الفصحى، كما هي مجسدة في لسان العرب و "كتاب" سيبويه وأغاني الأصفهاني وقراءات القرّاء الكبير الجاحظ... هي لغة الرجل والقانون والشريعة والقرآن والأدب والتراسل والخطابة والوعظ والتوجيه والإقناع والحجاج.... إنها لغة "الأنا الأعلى" أو هي "الأنا الأعلى" نفسه.

"الخطاب المباشر".. "التطرف الفكري".. "احتقار المرأة".. "احتقار القيم الأصيلة". هذه بعض السهام التي سددها البعض صوب قصصك.

باعتبارك قاصا وناقدا، ما ردك؟.

جواب: ليس لي رأي محدد، ولا يجب أن يكون لي رد إذا كان الأمر متعلقا بآراء القراء. جميع النصوص التي أكتبها تنهار علاقتي بها، بشكل نهائي، بمجرد أن أعرف أن غيري قد شاركني متعة استطلاعها أو الدخول إلى رحابها والعبث بأشيائها... إن ما يهمني من قرائي هو تلك الأشياء والأفكار والانطباعات... التي لم يستطيعوا قولها، أو التصريح بها أو التعبير عنها، لسبب ما !.

قلت، آنفا، بأن "القاص الوحيد الموجود في هذه البلاد هو "أحمد بوزفور". فمن سار على دربه فهو كاتب، ومن خرج عن دربه فهو ينتمي إلى فئة الكتبة".

أولا: ألا زلت تؤمن بهذا الكلام؟.

ثانيا: إن كان نعم، ألا ترى أنك تسعى من وراء كلامك هذا إلى خلق مريدين لا قصاصين؟.

جواب: لا يتضمن كلامي هذا حكم قيمة، أو تقييما خاصا لبوزفور، ولا دعوة مبطنة لاستقطاب أتباع يستنسخون بوزفور، كل ما أريد أن أقوله هو أن هذا القاص قد استطاع أن يلامس بالفعل أكثر الجوانب والملامح الجوهرية الفنية المتعلقة بكتابة القصة القصيرة، بالإضافة إلى وعيه الحاد بخصوص هوية القصة القصيرة ف